رؤية شاملة

عقدة الجغرافيا تتكسر على شــواطئ شـبه جزيـرة قطـــر

الجو هنا في الشرق الأوسط مشحون إلى حد الإنهيار الكامل..وحديث الكارثة يجري على جميع الشفاه. وسكان المنطقة لا يتساءلون عما إذا كانت ستقوم حرب جديدة أم لا، ولكنهم يتساءلون هل ستقوم الحرب اليوم أم غداً.. الدول الكبرى في الشرق الأوسط لم تعد لها قوة الحل الحاسمة ولا الفعالية المطلوبة، والعواصم المحورية تخطت كل المحاذير وأطلقت النار على قدميها.

 

الدول الكبيرة في العالم غير قادرة على إدارة الأزمات، ولا موازنة الضغوطات الدولية. فبات النظام العالمي عبثي إلى حد كبير وتجاسرت عليه كل مظاهر العلل الخطيرة.

من بين هذا كله هل للدول الصغيرة جغرافياً دور في النظام الدولي وتناطحاته؟ هل تنجح برغم فشل الكبار؟ هل يمكن أن تساهم في استعادة الأمن الدولي وتطوير الجيوش الكبيرة؟ وأخيراً هل لها القدرة على فرض قرارها السيادي على أقطاب العالم؟، واستخدام قواها الناعمة لإدارة الأزمات على خير ما يرام.

ومع البداية لابد أن نقر حقيقة أولى بأن الدول تختار موقعها ما بين الضوء والظل، النجاح والفشل، الأصالة والزيف، ولكنها لا تختار حجمها ولاتوزيعات القدر.

هل تثبت الدول الصغيرة نجاحها بين الأقطاب الكبيرة؟

إن مؤشرات مثل الاستقرار السياسي، وإجمالي الناتج المحلي، ومستوى دخل الفرد، والتنمية البشرية. تسيطر عليها 13 دولة صغيرة من أصل أفضل 20 دولة في العالم. بمعنى أن 65% من أفضل دول العالم هم بلدان صغيرة الحجم جغرافياً. بحسب مايكل أوسوليفان عضو معهد أبحاث كريدي سويس. ودولة قطر تتصدر العالم في ثلاثة مؤشرات من هؤلاء.

الدوحة استطاعت أن تثبت قوتها الدبلوماسية والسياسية وقدرتها على فرض قرارها السيادي على أقطاب العالم الكبار. ففي يناير 2018 قطر تفاوض موسكو لشراء منظومة صواريخ S-400 المتطورة. فهل تستطيع الولايات المتحدة أن تمارس قوتها على قطر لمنع الصفقة؟

في الواقع لم تستطع الولايات المتحدة فرض رأيها أو استقطاب دولة قطر في صفها باعتبارها دولة صغيرة يمكن التأثير عليها. بل إن البنتاغون صرح على لسان المتحدثة الرسمية دانا وايت بأن »شراء أسلحة من روسيا هو قرار سيادي لدولة قطر«. معنى هذا أن الدوحة لها من القوة ما يجعلها تضع حدوداً صارمة للقوى الكبرى، بحيث تدير هي دفة مصالحها الاستراتيجية وسيادتها الدولية.

قطر تتصادم مع روسيا على الأراضي السورية، ورغم ذلك لم تستطع موسكو بجغرافيتها العملاقة وقدراتها الضخمة أن تساوم الدوحة على المصالح المشتركة. بل إن القوة القطرية فرضت على الروس خيار زيادة التجارة الثنائية إلى نسبة 92.6%.  ورفع مستوى تبادل المنفعة لأقصى مستوى. -بحسب أرقام أعلن عنها سعادة وزير الطاقة القطري محمد بن صالح السادة عام 2017 .

هذا ما تشير إليه أدبيات العلوم السياسية في تعريف كلمة سياسة بمعناها البسيط: إدارة المتناقضات وتحقيق المنفعة العامة

على الطرف الأخر هل تجبر الولايات المتحدة، قطر على التراجع عن علاقتها المتنامية مع الروس، وهي الحليف الأهم لها في المنطقة؟ يبدو من المسح السريع لسطح العلاقات القطرية-الأمريكية أن الدوحة نجحت في تقويم سياسة أمريكا تجاهها، بعد أن حاولت الضغط على أعصاب الدبلوماسية القطرية بداية يونيو 2017. وشن حرب معنوية هدفها تقويض الاندفاع القطري نحو القمة. رغم ذلك نجحت دولة قطر أن تكبح جماح الرئيس الأمريكي وتفرض قوتها عليه، إلى أن ثبتت الجذور ومدت الفروع.

الأصغر حجماً أنداداً للكبار

شرح سعادة نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدولة لشؤون الدفاع الدكتور خالد بن محمد العطية شكل العلاقة بين دولة قطر والولايات المتحدة خلال حديثه أمام مركز أبحاث هيردتج الأمريكي يناير الماضي كالتالي: »إن العلاقات بين قطر وأمريكا مبنية على الشراكة وليست الاتكالية، قطر شريك للولايات المتحدة، حيث أننا نفيد ونستفيد«…ثم ماذا بعد؟

ثم إن الدبلوماسية القطرية استطاعت أن تبدل نبرة حديث البيت الأبيض عن الدوحة، فمن مساندة  من الرئاسة الأمريكية للحصار بداية الأزمة، ودعوة »السعودية والإمارات لممارسة البلطجة على قطر«   إلى حد إجبار ترمب للقول إن دولة قطر هي الحليف الأساسي لحفظ استقرار المنطقة.

وكما قلنا أنه من بعد الانتقادات المستمرة من قبل الرئيس الأمريكي تحولت الأوضاع جذرياً حتى أجريت لسمو الأمير خلال الزيارة الأخيرة 4 حفلات استقبال في 7 أيام فقط. واستحوذت نسبة الترحيب والثناء في كلام ترمب على  40% من إجمالي حديثه الأخير مع سمو الأمير. وهنا أثبتت السياسة الخارجية القطرية أنها لا تحتاج إلى وسيط معتدل -مثل تيلرسون-، ولكنها تقف على أساسات قوية تؤهلها لتعديل السياقات الدولية بنفسها.

هذا بالنسبة لأقطاب العالم

أما على المستوى الإقليمي فمثلت قطر عاصمة الحل العربي لكثير من الأزمات مثل أزمة دارفور بين أعوام 2003 -2016، والوساطة بين تشاد والسودان 2009. وتبني ملف حصار غزة وإعادة الإعمار، وأزمة الجنود اللبنانيين 2015. واستضافة أول اجتماع للمعارضة السورية 2012 للخروج من الأزمة. كلها قضايا جعلت من الدوحة قطب اجتذاب مهم لقوى العالم الكبرى الساعية لمواءمة الأوضاع في الشرق الأوسط. فقطر لديها خط واضح وقضايا مقنعة تدافع عنها، لا تركض وراء السراب وتلقي بنفسها في كل حرب، بل تتبنى فكر متوازن وواقعي بخصوص ملفات الأمن القومي، وتعرف نطاقاته وحدوده. ومن أين يبدأ وإلى أين ينتهي

هل يمكن للدول الصغيرة أن تحفظ الأمن الدولي وتطور الجيوش الضخمة؟

في شهادة خطية مقدمة من قائد القيادة الوسطى الأمريكية الجنرال جوزيف فوتيل إلى الكونغرس في مارس 2018، قال في الصفحة 32: »ساهمت دولة قطر بالرغم من صغر حجمها في عمليات التحالف ضد داعش، وأعطت القوات الأمريكية فرصة لا تقدر بثمن لتطوير جيشها عبر تحالفها مع شريك أساسي في منطقة مضطربة«.

عملياً فإن دولة قطر بالرغم من امكانيتها الجغرافية الضئيلة ولكنها شكلت ثلاثة أرباع الجهد الدولي للحرب على داعش، حيث انطلقت حوالي 75% من العمليات من قطر.

من جانبه قال سعادة نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني في لقائه مع CNN بتاريخ يوليو 2017 إن »الدول الصغيرة التي تفعل الكثير تبدو مزعجة بالنسبة للدول الكبيرة«

حقائق وأرقام:

تعداد سكان رباعي الحصار يعادل 55 ضعف سكان قطر تفوق مساحة الدول الأربع مجتمعة 279 ضعف مساحة قطر إنفاق دول الحصار مجتمعة على التسليح يزيد 16 ضعف إنفاق قطر رغم ذلك هل ساهمت دول الحصار الكبرى كما ساهمت قطر في حفظ الأمن والاستقرار الدوليين؟ وهل نجحت القوى الإقليمية الكبرى مع البيت الأبيض في إخضاع القدرة القطرية؟ ربما يعكس رقم واحد فقط مدى التفاوت بين المعسكرين، فبعد عام من الحملة الإعلامية والسياسية المهولة لعزل قطر، لم تقاطع إلا 2.5% من دول العالم دولة قطر، بمعنى أن 4 دول+1 من أصل 195 دولة هم فقط من يتخذون موقف حصار الدوحة.

كلمة أخيرة: إن الدول تختار مواقفها وشخصيتها وفلسفتها، ولكن لا يسع أياً من الدول اختيار مقاديرها.